كوركيس عواد

229

الذخائر الشرقية

بالمدائن وحمل نقضه إلى مدينتي هذه ؟ قال : لا أرى ذلك يا أمير المؤمنين . قال : ولم ؟ قال : لأنه علم من أعلام الإسلام ، يستدل به الناظر إليه على أنه لم يكن ليزال مثل أصحابه عنه بأمر دنيا ، وإنما هو على أمر دين . ومع هذا ، يا أمير المؤمنين ، فإن فيه مصلى علي بن أبي طالب صلوات اللّه عليه . قال : هيهات يا خالد ! أبيت إلا الميل إلى أصحابك العجم . وأمر أن ينقض القصر الأبيض ، فنقضت ناحية منه وحمل نقضه ، فنظر في مقدار ما يلزمهم للنقض والحمل ، فوجدوا ذلك أكثر من ثمن الجديد لو عمل . فرفع ذلك إلى المنصور . فدعا بخالد بن برمك فأعلمه ما يلزمهم في نقضه وحمله وقال له : ما ترى ؟ قال : يا أمير المؤمنين ، قد كنت أرى قبل ، أن لا تفعل . فأما إذ فعلت ، فإني أرى أن تهدم الآن حتى تلحق بقواعده ، لئلا يقال إنك قد عجزت عن هدمه . فأعرض المنصور عن ذلك وأمر أن لا يهدم » « 1 » . وقد أورد ابن عبدوس الجهشياري ( المتوفى سنة 331 ه - 942 م ) هذه الحكاية ، إلا أنه نسبها إلى غير المنصور وإلى غير خالد بن برمك . قال : « وأمر الرشيد يحيى بن خالد بالتقدم في هدم إيوان كسرى ، فقال : لا تهدم بناء دل على فخامة شأن بانيه الذي غلبته وأخذت ملكه . قال : هذا من ميلك إلى المجوس ، لا بد من هدمه . فقدر للنفقة على هدمه شيء استكثره الرشيد ، وأمر بترك هدمه . فقال له يحيى : لم يكن ينبغي أن تأمر بهدمه . وإذ قد أمرت ، فليس يحسن بك أن تظهر عجزا عن هدم بناء بناه عدوك ؛ فلم يقبل قوله ولم يهدمه » « 2 » . فهذه الرواية ، يشبه سياقها سياق ما تقدمها ، وإن كان ليس ما يمنع من قبولها . فقد يكون الرشيد نوى هدمه أيضا ثم عدل عن ذلك للسبب عينه .

--> ( 1 ) تاريخ الطبري ( 3 : 320 ) . وهذه الحكاية وردت ، بشيء من الاختصار ، في الفخري لابن الطقطقي ( ص 185 طبعة اهلورد . غوطا 1860 م ) ، وثمار القلوب للثعالبي ( ص 142 ) . ( 2 ) الوزراء والكتاب للجهشياري ( ص 285 طبعة مزيك . ليبسك 1926 ؛ ص 229 من طبعة البابي الحلبي ، القاهرة 1938 ) .